مريم العذراء

لندع حياة مريم تصوِّر العذراوية لكم، فتوضع أمامنا كأيقونة، يتألق منها - كما في مرآة - جمال العفة وشكل الفضيلة. ومن هذا المصدر يمكن أن ترسموا نماذج للحياة تظهر تعاليم واضحة عن الفضيلة، وما يجب أن تصلحوه، وما يجب أن تهربوا منه، وما يجب أن تتمسكوا به.

أول شيء يشعل الرغبة في التعلم هو سمو وعظمة المُعلّم. فمن هو أسمى وأعظم من والدة الإله؟ ومن هو أكثر مجداً منها هي التي إختارها "المجد" ذاته؟

ومن هو أكثر عفة من تلك التي أنجبت جسداً دون أن تلوِّث جسدها؟ ماذا أقول عن فضائلها الأخرى؟ تلك التي لم تلوّث عواطفها النقية بأي مكر فاسد، إذ كانت عذراء لا في الجسد فقط بل الذهن أيضاً. كانت متواضعة القلب، رزينة في حديثها، حكيمة في فكرها، قليلة الكلام، مُجدّة في القراءة، غير واضعة رجاءها على "غير يقينية الغنى" (1 تي 6) بل على صلوات المساكين، منكبَّة على عملها، متواضعة في حديثها، متعودة على أن تلتمس حكم الله وحده على أفكارها لا إنسان، لا تؤذي أي إنسان، تتمنى الخير للجميع، تقف في حضور الشيوخ، لا تنظر بإزدراء نحو نظراءها، تهرب من الكبرياء، تتبع التعقل، وتحب الفضيلة.

متى ألمت والديها حتى ولو بنظرة واحدة؟ متى تخاصمت مع أقربائها؟ متى أحتقرت المتواضعين؟ متى سخرت من الضعفاء؟ ومتى تحاشت المحتاجين؟ وهي قد تعودت أن تذهب إلى تجماعات الناس التي تمتلئ بالرحمة ولا يهرب منها التواضع. لم يكن هناك شيء عابس في عينيها، وليس هناك أي وقاحة في كلماتها، ولا أي شيء غير لائق في سلوكها. لم تكن إيمائاتها جافة، ولا مشيتها متوانية، ولا صوتها فظاً، حتى أن مظهرها الخارجي كان صورة لنفسها الداخلية ودليلاً على إستقامتها.

حقاً البيت الحسن يجب أن يُعرَّف بدءً من عتبته، ويظهر من بداية دخوله أنه لا توجد ظلمة مختفية داخلة. هكذا أيضاً نفوسنا - الغير مُعاقة بواسطة أي قيود جسدية - يجب أن تضيء خارجياً مثل نور مصباح موضوع في الداخل.

وماذا يقال أيضاً عن طعامها القليل وخدماتها الوفيرة؟ إذ أن الخدمات تتجاوز الطبيعة، بينما الطعام بالكاد يخدم الطبيعة، ولم يكن هناك فترات تراخي، بل أيام للصوم يوماً بعد آخر. وعندما ترغب في الأكل، فإن طعامها يكون ما يصل إليها، فتأكل للحفاظ على الحياة لا للتلذذ. وما يجعلها تنام ليس هو الرغبة بل الضرورة، ومع ذلك حينما يرتاح جسدها، فإن نفسها تكون متيقظة، وكثيراً ما تكرر في نومها ما سبق أن قرأته، أو تكمل ما قد إنقطع بسبب النوم، أو تضع خططاً أو ترتب ما تنوي عمله.

وهي لم تكن معتادة أن تخرج من البيت إلا لكي تذهب إلى الكنيسة، وكانت تذهب مع الوالدين أو الأقرباء. وسواء إن كانت مشغولة بأمورها الخاصة في البيت، أو مُحاطة بالناس في السوق، إلا أنها لم يكن لها مرشد أفضل من نفسها، تستدعي إحترام الآخرين بمشيتها ومحياها، وفي كل خطوة كانت تخطوها كانت تنمو في النعمة.

وبالرغم من أنه قد يكون لدى العذراء أشخاص آخرون لحماية جسدها، إلا أنها هي التي كانت تحرس نفسها وتحافظ على سلوكها. كان يمكن أن تتعلم أشياء كثيرة من آخرين، لكن تلك التي لها الفضائل كمعلمين كان يجب أن تُعلّم لنفسها، وكل ما كانت تفعله صار درساً يتعلم منه الآخرين. مريم إنتبهت لكل أحد كما لو أن كثيرين كانوا ينصحونها، وتمّمت كل فضيلة كما لو كانت بالحري تُعلّم بدلاً من أن تتعلّم.

هكذا أخبرنا عنها الإنجيلي، وهكذا وجدها الملاك، وهكذا إختارها الروح القدس.

ولماذا ننشغل بالتفاصيل - كيف أحبها والداها، والغرباء مدحوها، تلك التي كانت مستحقة لولادة ابن الله؟ وحينما ظهر لها الملاك وجدها في البيت في عزلتها، بدون رفيق لكي لا يشتت أحد إنتباهها أو يزعجها، وهي التي كانت لها أفكارها الصالحة كرفقاء لم ترغب أن يكون لها أي رفقاء من النساء. بل كان يتراءى لها أنها ليست وحيدة في الوقت الذي كانت على إنفراد، لأنها كيف تكون وحيدة في حضور كتب كثيرة جداً ورؤساء ملائكة كثيرون جداً وأنبياء كثيرون جداً؟!

وهكذا أيضاً وجدها جبرائيل عندما زارها، ارتعدت مريم من الملاك كأنه من منظر رجل، اندهشت من منظره، ولكن لما سمعت إسمه عرفته كشخص معروف لديها. وهكذا. تلك التي كانت غريبة بالنسبة للرجال، لم تكن غريبة بالنسبة للملاك، لكي ما نتعرف على أذنيها الورعة وعينيها العفيفة. ثم حينما حياها الملاك ظلت صامتة، وحينما خاطبها أجابته، وتلك التي اضطربت في البداية، قدمت طاعة فيما بعد.

ويخبرنا الكتاب المقدس كيف كانت متضعة مع جيرانها. لأنها صارت أكثر إتضاعاً حينما عرفت أن الله قد أختارها. وفي الحال، ذهبت إلى قرينتها في الجبال، لا لكي تؤمن بالعيان، ما قد آمنت به بواسطة النبوة. إذ أن قرينتها قالت لها: "طوبى للتي آمنت" (لو 1)، ومكثت عندها ثلاثة أشهر. لم يكن الإيمان هو الذي ينمو في مثل هذه الفترة، بل كان القصد هو عمل المحبة. هذا حدث بعد أن ارتكض الجنين في بطن أمه - مدفوعاً بالتقوى لا بالطبيعة - ورحَّب بأم الرب.

وهكذا عندما حدثت عجائب كثيرة بعد ذلك، حينما ولدت العاقر، وحينما حملت العذراء، وتكلم الأخرس، وسجد المجوس، وأنتظر سمعان، وأعطت النجوم إشارة. مريم التي اضطربت بظهور الملاك لم تضطرب بتلك العجائب. إذ يقول الكتاب "مريم كانت تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها" (لو 2). ورغم أنها كانت أم الرب إلا أنها إشتاقت أن تتعلم وصايا الرب، وتلك التي ولدت الله أرادت أن تعرف الله.

وماذا عن ذهابها كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح مع يوسف؟ في العذراء كانت النقاوة هي رفيقة فضائلها الرائعة في كل مكان. هذه النقاوة بالذات يجب أن تكون في العذراء وبدونها لا يمكن أن تكون هناك عذراوية. وهكذا فإن مريم لم تذهب حتى إلى الهيكل بدون النقاوة كمرافقة لها. هذه هي أيقونة العذراوية.

هكذا كانت مريم، مقدمة بحياتها فقط درساً للجميع.

إذا كان النموذج مبعث للسرور، لنستحسن العمل إذاً، بحيث أن كل من يشتاق الحصول على مكافأة مريم عليه أن يتشبه بمثالها. ما أكثر أنواع الفضائل الظاهرة في عذراء واحدة! خلوة التواضع، راية الإيمان، طاعة التقوى! كانت عذراء في البيت، رفيقة في الخدمة، وأم في المعبد.

كم عدد العذارى التي سوف تقابلهن، كم عدد العذارى التي سوف تحتضنهن، وتجذبهن للرب قائلة: "هذه كانت أمينة في زواجها مع ابني، لقد حافظت على سريرها العرسي بعفة نقية!"

مقال للقديس امبروسيوس من " مدونه ابائيه "

 

 

 

 

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد