قصر المزامير( ج 2 )

لقد ناقشنا سعادة الرجل البار، وتكلمنا عن مكافأتهن بسبب الأمور الثلاثة التي لم يفعلها والأمرين الذي فعلهما، وتمت مقارنته بالشجرة التي في جنة عدن، أي بالمسيح، الذي هو "الحكمة". قلنا كل هذا عن الإنسان البار.
 
والآن، دعونا نرى ما يقوله المزمور عن الخاطئ ، الرجل الشرير. "ليس كذلك الأشرار". تلك المكافآت الجامعة التي يتلقاها الإنسان البار، لا يحصل عليها الإنسان الشرير. "ليس كذلك الأشرار". صاحب المزمور لم يقل "ليس كذلك الخطاة"، لأنه إذا كان قد قال "خطاة"، لكنا كلنا قد حُرمنا من المكافأة. هناك فرق بين الأشرار والخطاة. الأشرار ينكرون الله كلية، أما الخاطي فيعترف بالله، وعلى الرغم من إعترافه يرتكب الخطية. "ليس كذلك الأشرار". في بعض المخطوطات، كلمة "ليس كذلك" مكررة: "ليس كذلك الأشرار، ليس كذلك"، لكن في النص العبري ليس هناك مثل هذا التكرار.
 
تكلمنا عن الإنسان البار وتشابهه مع الشجرة المغروسة على مجاري المياة. أما بالنسبة للإنسان الشرير، فالأمر يكون على النقيض تماماً. فكما أن الإنسان البار يقارن بالشجرة، يقارن الإنسان الشرير بالتراب. البار يقارن بشجرة جنة عدن، أما الشرير فيقارن بالتراب الذي يذريه الريح. التراب قد يأتي من التربة، لكنه توقف على أن يكون تربة. الأشرار "كالهباء الذي تذريه الريح". يقول السفر المقدس أن الإنسان الشرير سيكون حزيناً جداً، لدرجة أنه لا يكون حتى غبار من الأرض. لا يبدو للغبار أن له أي مادة، لكن بطبيعة الحال له نوع ما من الوجود. ليس له جسم ما، إلا إن ما لديه من مادة تكون بمثابة عقاب. هو متفرق هنا وهناك، وليس في مكان واحد أبداً. حيثما الريح تذريه، هناك تنفق كامل قوته. هذا الأمر صحيح بالنسبة للإنسان الشرير. عندما ينكر الله، ينقاد بالوهم والضلال حيثما يرسله نَفَس الشيطان.
 
بما أننا قد ناقشنا بالتفصيل البار وتشابهه مع الشجرة، وأيضاً الشرير وتشابهه، وتكلمنا عن العالم الحاضر، يبقى لنا أن نتامل في الحياة المستقبلية والأبدية. إذاً، "لا يقوم الأشرار في الدينونة، ولا الخطاة في جماعة الأبرار". في إنجيل يوحنا، نقرأ: "الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين" (يو 18:3). من إذاً باقي للدينونة إذا كان الذي يؤمن لا يدان، ومن لا يؤمن قد تمت إدانته؟ من سيُحكم عليه في يوم الدينونة؟
 
لنتأمل الشخص الذي يقف بين المؤمن وغير المؤمن، الشخص الذي سوف يدان. "الذي يؤمن به لا يدان". الآن، ذلك الذي يؤمن لا يخطئ، ذلك الذي يؤمن بحسب الحق لا يخطئ، ذلك الذي له إيمان حقيقي لا يخطئ. في الحقيقة، عندما نرتكب الخطية، يكون ذهننا يترنّح في الإيمان. عندما نترك المجال للغضب، عندما ننتقص من سمعة آخر، عندما نقتل، عندما نستسلم للزنى، أين يكون إيماننا؟ لذا فالآية "الذي  يؤمن به لا يدان"، تعني ليس هناك حاجة للحكم عليه، فهو بالفعل مبارك. أيضاً "من لا يؤمن فقد دين"، فهو بالفعل محكوم عليه بالعقاب. من الذي سيُحكَّم عليه إذاً؟ الإنسان الذي يؤمن بالفعل، إلا أنه يقدم على الخطية. من لديه خير، ولديه شر أيضاً، أي الذي يفعل أفعالاً حسنة عندما يكون إيمانه قوي، ويرتكب الخطية عندما يكون إيمانه ضعيف.
 
ليتنا عند هذه النقطة نتأمل الكلمات: "لذلك لا يقوم الأشرار في الدينوينة". لن يقوموا لكي يدانوا، لأنهم محكوم عليهم بالفعل. "الذي لا يؤمن قد دين". "ولا الخطاة في جماعة الأيرار". لا يقول المزمور أن الخطاة لن يقوموا ثانية، بل لن يقوموا في مجمع الصديقين. فهم لا يستحقوا الوقوف مع أولئك الذين لن يدانوا. يقول الرب، لو كانوا قد آمنوا بي، لقاموا مع أولئك الذين ليس لهم دينونة.
 
"لأن الرب يعلم طريق الأبرار، أما طريق الأشرار فتباد". "لأن الرب يعلم طريق الأبرار"، لماذا الأمر رائع وإستثنائي جداً أن يعرف الرب طريق الأبرار؟ يقول الكتاب المقدس عن ذلك، أن الله يعرف أولئك الذي يتكرم ويعرفهم (خاصته) (يو 10: 14). أما بالنسبة للأشرار فيقول: "أني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 23:7). بالإضافة إلى القول: "كل من يعترف بي أعترف أنا أيضاً به" (مت 10). "لأن الرب يعرف طريق الأبرار". الله لا يعرف الإنسان الشرير أما الإنسان البار فيعرفه.
 
نقرأ في سفر التكوين أن آدم أخطأ، عندما إلتفت إلى الحية عوضاً عن الله، عندما اختبئ من وجه الله، جاء الله إلى الجنة، "يتمشى في الجنة عند نسيم النهار" (تك 3). لننتبه لما يقوله الكتاب المقدس. بحث الله عن آدم، ليس في منتصف النهار بل في المساء. آدم كان قد فقد نور الشمس، لأن وقت الظهيرة الذي له قد عبر. وكان نحو المساء، عندما كان الله يتمشى، لأنه بقدر ما يتعلق الأمر بالخاطئ، الله لا يقف بل يمشي. كان يعلم أن آدم في الجنة، وكان يدرك جيداً ما حدث، لكن لكون آدم قد أخطأ، الله لا يعرفه. لذا قال له: "آدم، أين أنت؟".
 
سمعنا بما فيه الكفاية عن كيف لا يعرف الله الخاطئ، وعلينا الآن أن نتأمل كيف أن الإنسان البار معروف بواسطته. قال الله لأبرام: "اذهب من أرضك ومن عشيرتك" (تك 12). وفقاً لكلام الله، جاء إبرام إلى فلسطين. كان في ممرا وتغرب طويلاً في غرار. عندما ولد ابنه إسحق، نال الوعد: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك 18:22). أخذ إسحق وقدمه لله، وصوت من السماء سُمع قائلاً: "لا تمد يدك إلى الغلام". حالاً، وفي اللحظة ذاتها التي قدَّم فيها ابنه، ماذا قال الله لإبرآم؟ "الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني" (تك 12:22). أيها الرب، هل عرفت إبرآم فقط الآن؟ مع من كنت تتواصل وتتحدث كل هذه المدة الطويلة؟ لكون إبرآم كان له مثل هذا الإيمان العظيم في تقديم ابنه محرقة، بدأ الله بمعرفته إعتباراً لذلك. لماذا قلنا هذا؟ لأنه مكتوب: "الرب يعرف طريق الأبرار". دعنا نستخدم عبارة أخرى: المسيح هو الطريق والحق والحياة (يو 6:14)، إذاً دعونا نسير في المسيح، وعندئذ الله الآب سوف يعرف طريقنا.
 
"أما طريق الأشرار فتباد". هذا لا يعني أن الأشرار سوف يبادون. إذا تابوا وقدموا أعمال التوبة، هم أيضاً سوف يخلصون. عندما كان الرسول بولس يضطهد المسيح وكنيسته، كان رجلاً شريراً. إذا كان الأشرار يبادون، فليس هناك فرصة لتوبتهم. المزمور لا يقول أن الأشرار سيبادون بل طريق الأشرار يباد، أي أن الشر سوف يُباد. ليس الأشرار بل الشر ذاته، ليس الإنسان الذي كان شريراً سوف يُباد، بل بينما هو يتوب يختفي الشر ويباد.
 
يتنازل الله لكي يوصينا بأن هناك ثلاثة أمور يجب أن لا نفعلها، وأمرين يجب أن نفعلهما. دعونا نكون الإنسان البار المشبه بشجرة الحياة، ولا نكون الإنسان الشرير المشبه بالهباء. ليتنا لا نكون من الأشرار الذين لا يقوموا في جماعة الأبرار. ولنحذر أن طريق الشر قد يباد، ولنبارك الله الذي له المجد إلى الأبد آمين.

القديس جيروم / ترجمة مدونه ابائيه
 

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد