قصر المزامير

إنّ سفر المزامير يشبه قصر فخم له مفتاح واحد فقط للمدخل الرئيسي. إلا أن كل غرفة منفصلة بداخل القصر لها مفتاحها الخاص. فبالرغم من أنّ المفتاح العظيم الذي للمدخل الرئيسي هو الروح القدس إلا أن كل غرفة بدون إستثناء لها مفتاحها الصغير الخاص بها. لو أي شخص بطريق الخطأ خلط بين المفاتيح أو ألقاها، وبعد ذلك أراد أن يفتح إحدى الغرف، لن يستطيع ذلك حتى يجد المفتاح الصحيح. هكذا بالمثل، سفر المزامير مثل الغرّف المفردة، كل مزمور أو غرفة لها مفتاحها الصحيح الخاص بها. والمدخل الرئيسي لقصر المزامير هو المزمور الأول، الذي يبدأ بكلمات: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار".
 
يعتقد بعض المفسرين أن المفتاح لهذا المزمور الأول يجب أن يكون شخص المسيح ربنا، مفسرين "الرجل المطوَّب" على أنه المسيح. بالطبع، يقصدون أمراً حسناً، لكن بالتأكيد مثل هذا التفسير يظهر عدم توفر الخبرة والمعرفة، لأنه لو أن ذلك الرجل السعيد هو المسيح، والمسيح هو الذي أعطى الناموس، فكيف تنطبق مثل هذه الكلمات على المسيح: "في ناموس الرب مسرَّته"؟ إلى جانب ذلك، كيف يمكن مقارنة المسيح بشجرة، عندما يقول: "يكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياة"؟ لأنه إذا قورن المسيح بشجرة، يكون أقل من الشجرة، لأنه عند المقارنة يكون الشيء المقارن أقل مما يقارن به، ومن ثم تكون الشجرة أعظم من الرب الذي يتم مقارنته بها. هكذا نرى أن المزمور لا يشير لشخص الرب، لكنه بالأحرى يشير بشكل عام للإنسان البار. أُسلّم بأن هناك العديد يُطبّقون كلمات المزمور على يوسف - ولهم أسبابهم في ذلك - أقصد يوسف الرامي، الذي لم يسلك في مشورة اليهود وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس الفريسيين لم يجلس. ومع ذلك، ما أختاره الآخرين لتفسيره بشكل خاص كإشارة ليوسف، سوف نفسره نحن بشكل عام ونطبقه على كل إنسان بار.
 
"طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار". في سفر التكوين نقرأ كيف لُعنّ آدم: "ملعونة الأرض بسببك" (تك 17:3)، لكن اللعنة الأولى المنطوقة ضد الإنسان أُحلت واستبدلت ببركة. الناموس القديم يعرض حالة واحدة فقط للبركة والتطويب، أما الإنجيل من ناحية أخرى فيعلن في وقت واحد ثمانية تطويبات. "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار". سعيد ومطوّب هو الرجل، ليس أي رجل، بل الرجل الذي وصل إلى كمال رجولة المسيح: "الذي لم يسلك في مشورة الأشرار".
 
هنا، والكتاب المقدس يصف الثلاث طرق المعتادة لإرتكاب الخطية: نفكر بأفكار شريرة، نرتكب المعصية بالفعل، أو نُعلّم الآخرين ما هو شرير. أولاً، نفكر بأفكار شريرة، ثم بعد أن نكون قد فكرنا ملياً فيها، نحوّل هذا الفكر إلى فعل. وعندما نرتكب المعصية، نُضاعف الإثم من خلال تعليم الآخرين لكي يفعلوا ما فعلناه نحن. "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار" - الذي لا يفكر بالشر - "وفي طريق الخطاة لم يقف" - الذي لا يفعل الشر - "وفي مجلس المستهزئين لم يجلس" - الذي لم يعلم الآخرين الإثم. فهو لم يعاشر الوقحين، وفي طريق الخطاة لم يقف.
 
من الصعب على الإنسان بأن لا يخطئ. في الحقيقة، يقول يوحنا الإنجيلي: "إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1 يو 1: 8). فإذا كنا نخطئ جميعنا، فما معنى الكلمات "وفي طريق الخطاة لم يقف"؟ إذا كنا نأثم جميعنا، فليس هناك شخص واحد سعيد - ماعدا بالطبع، ذاك الذي لم يخطيء. لكننا كلنا نخطئ، كل واحد منّا بدون إستثناء، وبالتالي لا أحد مُطوّب.
 
على أية حال، لنتأمل في ما يقوله الكتاب المقدس: "وفي طريق الخطاة لم يقف". لم يقل الكتاب: "طوبى للرجل الذي لم يخطئ"، بل بالأحرى، "طوبى للرجل الذي لم يستمر في الخطية". "وفي طريق الخطاة لم يقف". بالأمس إرتكبت خطية وبالتالي لست سعيداً، لكن إذا لم أبقى في حالة الخطية بل تراجعت وإنسحبت من الخطية، أصير سعيداً مرة أخرى. "وفي مجلس المستهزئين لم يجلس". لماذا يقول "يجلس" في هذا الآية ويقول "يقف" في الآية السابقة؟ لهذا السبب: كما أن ذلك الذي "لم يقف" – أي لا يستمر - في الخطية يكون سعيداً، كذلك أيضاً ذلك الذي "لم يجلس" – أي لا يستمر - في التعليم الشرير يكون سعيداً. كما تروا، الثلاثة أمور المُقررة للتطويب تتضمن عدم التفكير بالشر وعدم المواظبة على الشر وعدم تعليم الشر. هذا حقاً ما يقوله عاموس النبي: "هكذا قال الرب. بسبب معاصي .. الثلاث وبسبب الأربع لا أرجع عن حكمي" (عا 1، 2). علاوة على ذلك، يقول هذا الشيء نفسه ثمان مرات. هذا هو ما يقوله في الحقيقة: لقد تفكرتم في الشر وصفحت عنكم، لقد فعلتم الشر وغفرت لكم، لم تتوبوا عن خطاياكم وعذرتكم، فهل وجب عليكم أيضاً أن تعلموا الشر للأخرين؟ إلا أن الرب من أجل ثلاثة ذنوب وأربعة، لا يغضب إلى الدهر (إش 16:57).
 
"لكن في ناموس الرب مسرّته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً". كاتب المزامير قد ذكر قبلاً ثلاثة أمور لا يجب أن يفعلها الإنسان: إتباع مشورة الأشرار، والوقوف في طريق الخطاة، والجلوس في مجلس المستهزئين. ثلاثة أمور لا يجب أن نفعلها، لكن هناك أيضاً أمرين يجب أن نعمل بهما، لأنه غير كافي بالنسبة لنا أن نتجنب الشر ما لم نسعى أيضاً نحو الخير. "لكن في ناموس الرب مسرته". المزمور لا يقول "يخاف الناموس" بل يُسّر ويبتهج بالناموس. هناك الكثير من الناس يطيعون الناموس بدافع الخوف، لكن الخوف كدافع للعمل ليس بدافع جدير بالتقدير. "لكن في ناموس الرب مسرته"، فهو يطيع وصايا الرب بإخلاص من كل القلب.
 
"وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً". الكلمات المجردة لا تستطيع أن تُعبِّر بشكل كافي لما يحمله العقل من أفكار. "في ناموس الرب مسرته". قد يقول أحد شخص ما: "ها أنا أريد أن أطيع ناموس الله، ونظراً لأني أريد ذلك فأنا سعيد ومطوَّب". لكن لندقق في كلام المزمور. ليس من الكافي أن تريد ناموس الله، بل يجب أن تتأمل في ناموس الله نهاراً وليلاً. "يلهج نهاراً وليلاً". قد يعترض شخص آخر قائلاً: "هذا كثير جداً على الطبيعة البشرية أن تتحمله، فالإنسان يجب أن يمشي، ويشرب، ويأكل، وينام، ويؤدي كل ضرورات الحياة. كيف إذن يمكنه التأمل في ناموس الله نهاراً وليلاً، وخاصة أن الرسول يقول: "صلوا بلا إنقطاع" (1 تس 5: 17)؟ كيف يمكنني الصلاة أثناء الوقت الذي أنام فيه؟
 
التأمل في ناموس الله لا يشمل القراءة فقط بل العمل أيضاً، كما قال الرسول في موضع آخر: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1 كو 10: 31). حتى لو مجرد إمتدت يدّي بالعطاء والصدقة، فأنا ألهج في ناموس الله. إذا زرت المرضى، قدماي تلهج في ناموس الله، إذا فعلت الوصايا الواجبة فأنا أصلي بكامل جسمي بينما يصلي الآخرين بشفاههم فقط. كان اليهود حقاً يصلون بشفاههم، أما صلواتنا نحن فأفعال. إذاً، هناك ثلاثة أمور لا يجب أن نفعلها، وهناك أمرين يجب أن نفعلهما. ما هي المكافأة التي يستحقها من يطيع تلك الوصايا؟
 
"فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياة، التي تعطي ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل". هناك العديد من الناس يفسرون هذه الكلمات ببساطة لتعني: كما أن الشجرة إذا زرعت بجانب المياة، تتجذر في الأرض وتنمو، ولا تذبل لأن لها رطوبة كافية، هكذا وبطريقة مشابهة، الشخص الذي يتأمل ويلهج في ناموس الله سوف يستمد قوة وحياة من هذا التأمل. هذا هو تفسيرهم البسيط. لكننا سوف نقارن الروحيات بالروحيات (1 كو 13:2)، ونقرأ عن شجرة الحياة المزروعة في الفردوس، شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. شجرة الحياة هذه أنبتها الله في جنة عدن، وكان نهر يخرج من عدن وينقسم لأربعة فروع (تك 2). وبالمثل نقرأ في أمثال سليمان عن الحكمة - والمسيح هو قوة الله وحكمة الله (1 كو 1) - إذ يقول: "هي شجرة حياة لممسكيها" (أم 18:3)، متكلماً عن الحكمة. والآن، إذا كانت الحكمة هي شجرة الحياة ، و"الحكمة" ذاتها هي حقاً شخص المسيح، فالإنسان المطوّب والمقدس يقارن بهذه الشجرة أي يقارن بالحكمة. وبناء على ذلك، الإنسان البار المبارك الذي لم يسلك في مشورة الأشرار يشبه شجرة مغروسة عند مجاري المياة، أي يشبه المسيح، بما أنه "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات" (أف 6:2)، هكذا سوف نملك مع المسيح في السماء، ولكون هذه الشجرة قد غرست في جنة عدن، نحن كلنا قد غرسنا هناك أيضاً معه.
 
"فيكون كشجرة مغروسة على مجاري المياة". في الحقيقة، أنه من هذا المنبع الرئيسي تستمد كل الأنهار إرتفاعها. "التي تعطي ثمرها في أوانه". هذه الشجرة لا تعطي ثمرها في كل موسم، لكن في الموسم المناسب. هذه هي الشجرة التي لا تعطي ثمرها في الوقت الحاضر، بل في المستقبل، أي في يوم الدينونة. هذه هي الشجرة التي تحمل الأزهار الآن، وتطلع البراعم الآن، وتنتج الثمار للمستقبل. هذه الشجرة تنتج ثماراً وتنتج أيضاً أوراقاً. الثمار التي تحملها تحتوي على معاني كلمات الكتاب المقدس، أما الأوراق فتحتوي على الكلمات فقط. الثمار هي في المعاني، والأوراق هي في الكلمات. لهذا السبب، من يقرأ الكتاب المقدس، إذا قرأ بشكل حرفي كما يقرأ اليهود، يفهم الكلمات فقط، أما إذا قرأ ببصيرة روحية حقيقية يجمع الثمار.
 
"وورقها لا يذبل". أوراق هذه الشجرة ليست بأي حال من الأحوال عديم الفائدة، لأنه حتى إذا فهم الشخص الأسفار المقدسة فقط كتاريخ، يحصل على شيء مفيد لنفسه. نحن نقرأ في سفر رؤيا يوحنا: "وأراني نهراً صافياً من ماء حياة لامعاً كالبلور خارجاً من عرش الله والخروف. في وسط سوقها وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة" (رؤ 22: 1). هذا يعني أن الشجرة كانت على كلا الجانبين من ضفتي النهر. "تصنع اثنتى عشرة ثمرةً. وتعطي كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم" (رؤ 22: 2).
 
يقول: رأيت .. عرش الله. نحن نؤمن بالآب والابن والروح القدس، هذا حقيقي، فهو ثالوث، إلا أن العرش والسلطان الملوكي واحد. رأيت عرش واحد، ورأيت خروف قائم في وسط العرش. (رؤ 6:5). هذا يشير إلى تجسد المخلص، فالكتاب يقول: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 29:1). "وأراني نهراً صافيا من ماء حياة لامعاً كالبلور خارجاً من عرش الله" (رؤ 22). لاحظ أن نهر النعم والبركات يتدفق من وسط العرش.

ذلك النهر لا يتدفق من العرش ما لم يكن الخروف قائماً أمامه (رؤ 17:7)، لأنه ما لم نؤمن بتجسد المسيح فلن نتلقى تلك النعم والبركات.
 
يقول الرائي، أن هناك شجرة واحدة عالية موضوعة. لم يقل أشجار بل فقط شجرة واحدة. إذا كانت شجرة واحدة، فكيف تكون على كلا الجانبين من النهر؟ إذا كان قد قال: رأيت أشجاراً، لكان من المحتمل أن تكون بعض الأشجار على جانب، وأشجار أخرى على الجانب الأخر. إلا أنه في الحقيقة، يقول أن هناك شجرة واحدة على كلا الجانبين من النهر. هناك نهر واحد يخرج من عرش الله - نعمة الروح القدس - وهذه النعمة نجدها في نهر الكتاب المقدس. علاوة على ذلك، هذا النهر له ضفتين، العهد القديم والعهد الجديد، والشجرة المغروسة على كلا الجانبين هي المسيح. أثناء السنة، هذه الشجرة تنتج اثنتى عشرة ثمرة، واحدة لكل شهر، لكننا غير قادرين على إستقبال الثمار إلا من خلال الرسل. إذا إقترب أحد من الشجرة من خلال الرسل، يتلقى الثمار ويجمعها من الأسفار المقدسة، ويُدرك المعاني الإلهية الكامنة داخل الكلمات. إذاً، إن إقترب أحد من الشجرة من خلال الرسل يجمع ثمارها، كما قلنا. في الواقع، إذا كان الشخص لا يستطيع بعد أن يقطف الثمرة، هذا لأنه مازال ضعيفاً جداً، فهو لم يصبح بعد تلميذاً، بل ينتمي إلى العامة، فهو دخيل، وغريب من الأمم. ولأنه لا يستطيع أن يقطف الثمرة، يقطف فقط الكلمات، أي ورق الشجرة الذي لشفاء الأمم، لأنه مكتوب: "وورق الشجرة الذي لشفاء الأمم" (رؤ 22). فالشخص المنتمي للأمم، الذي ليس بعد تلميذاً للسيد، الذي ليس إلا واحد من الحشد، يجمع فقط الأوراق من الشجرة، ويتلقى من الكتاب المقدس مجرد كلمات بسيطة للعلاج والشفاء. إذاً، يقول الكتاب: "وورق الشجرة لشفاء الأمم"، وبكلمات أخرى: الأوراق هي أدوية. لماذا استطردنا في سفر الرؤيا؟ بسبب تلك الشجرة التي "تعطي ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل. وكل ما يصنعه ينجح".
 يُتبع
القديس جيروم / ترجمة مدونه ابائيه

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد