في بناء الخادم ج4

في بناء الخادم ج4 :في بناء الخادم ج4

– الموت والحياة :

من قوانين الخدمة الأساسية التي ينبغي أن لا تغيب عن فكر الخادم الذي حمل النير وسلم حياته مرة واحدة لله هو قانون أورده بولس الرسول في كلمتين بعد أن ذاقه وتمرن عليه وانتهى إلى تحقيقه

"إذن الموت يعمل فينا ، ولكن الحياة فيكم" (2كو 4 : 12) . وفي موضع آخر أورده هكذا : "أُنفِق وأُنفَق من أجلكم" . ولكنه شرحه بوضوح في قوله "لأننا نحن الأحياء نسلًّم دائماً للموت من أجل يسوع لكي تُظهَر حياة يسوع أيضاً في جسدنا" (2كو 4 : 11) .

 

ومعنى هذا القول عميق وعظيم ، وهو باختصار صورة تطبيقية لعملية الصلب التي جازها المسيح بإرادته عن ضعف شاءه لنفسه وهو قوي .

وقلنا إنه قانون أساسي في الخدمة لأن المسيح هو الذي سنَّ صيغته وقام بتطبيقها في جسده وفي نفسه : "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتَمُت ، فهي تبقى وحدها ، ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير" (يو 12 : 24) . وقد لمح بولس الرسول هذا القانون ، فقام بتفسيره لاهوتياً فقال :"إن كان واحد قد مات لأجل الجميع ، فالجميع إذن ماتوا . وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام" (2كو 5 : 14) .

الخادم تنسحق نفسه ويذبل جسده أمام عينيه يوماً بعد يوم بسبب نير الخدمة الذي هو الصليب عينه . وعملية الموت التي يجوزها بإرادته من أسهار وأصوام وصلوات وتنسكات ، والاهتمام الزائد بأمور الرعية والمخدومين ، تمشي جنباً لجنب مع عملية الموت التي يجوزها رغماً عنه من أمراض وأعواز وضيقات ومكائد واضطهادات التي تبدو وكأن لا حل لها ولا بديل عنها .

ولكن هذا الموت بصورته المزدوجة الإرادية وغير الإرادية هو في حقيقته ليس موتاً جزافياً ، بل هو موت للرب ، موت صليبىٌّ (أى على مثال موت صليب المسيح) ، ينبثق منه ومعه وبنفس درجاته وعمقه قيامة وحياة ، لا في نفس الخادم فحسب بل وفي كل من كان يصلي عنه ويتألم من أجلهم ويسهر لراحتهم ويصوم نيابة عنهم ويتوب ويتذلل باسمهم! فكما مات الرب وكان موته مجداً له وحياة لمن مات عنهم ، هكذا كل من مات مع الرب حباً وكرامة لاسمه وبذلاً وفديه عن أولاده الخطاة!

- مختلين وعاقلين :

قانون أساسي آخر في الخدمة ، إن سهينا عنه ثقل علينا النير وضاقت أنفسنا فينا . وقد لخصه بولس الرسول هكذا : "لأننا إن صرنا مختلين فلله أو كنا عاقلين فلكم" (2كو 5 : 13) . فالمناده بالأنجيل لابد وأن تبدو لكثيرين أنها غير معقولة بل وغير عاقلة . فالإله المصلوب لا يفهمه ولا يستسيغه العائشون في الظلمة لأنهم لا يحسون بجسامة الخطية وفعلها المميت للنفس . كذلك فالطهارة شيء ينكره العالم لأنه لا يعرف مصدر قوتها ، والصوم الكثير يستثقله المحبون لملذات الأطعمة ، والمتشبثون بصحتهم ومزاجهم لا يرون أهميته وخطورته بالنسبة لأرواحهم لأنهم يعيشون حسب الجسد وليس حسب الروح . والحشمة في الملبس واللياقة فى السلوك وفي الكلام يهاجمها الإباحيون السائرون وراء غرائزهم  وميلهم لاستعراض أجسادهم ، وكذلك التواضع الحقيقي والمسكنة غير المصطَنَعة التي بالروح صفة يمقتها المتعظمون بذواتهم الطامحون للمجد والشهرة .

وهكذا فخادم الإنجيل والكارز بوصايا الروح بقدر ما يكون أميناً ودقيقاً في المناداة بهذه الوصايا ، كرامة لإلهه ، بقدر ما يُذمُّ كمختل العقل ويُبغَض ويُنتقَد من الدنيويين والشهوانيين والحكماء حسب الجسد والعقلانيين الذين يتدبرون بمقتضى الصحة والطبيعة .

فإذا لم يقبل الخادم ، منذ البداية ، أن يكون محسوباً مختلاً في نظر هؤلاء جميعاً ، كقضية مسلَّم بها ، فإنه يقع حتماً في صراع داخلي مع نفسه . وخصوصاً إذا هو حاول أن يبدو عاقلاً لدى هؤلاء المستهترين والحكماء في أعين أنفسهم ، فإنه سيقع في الرياء والممالأة وإنكار القيم الروحية الخالصة لمصالحة القيم العقلية المادية .

إذن فلا مفر أمام الخادم الأمين أن يقبل هذا الحكم الصارم من العالم ، لأنه إن كان مختلاً فلله ومن أجل الله .

وعلى نفس النمط تماماً ، إن اعتُبر عاقلاً وحكيماً ورزيناً في نظر أولاد النور الطالبين وجه الله ، فهو إنما يكون عاقلاً لهم وليس لنفسه ، لأن الله لا يمنح الخادم الحكمة الروحية ورزانة التعبير وبصيرة الخدمة لذات الخادم وإنما للآخرين : "كأن الله يعظ بنا" (2كو 5 : 20) .

 – خطاة مُبرَّرون :

من المبادىء العظمى في حياة الخادم التي تفتح أمامه مجال الخدمة طولاً وعرضاً بضمير شجاع غير مضطرب ، المبدأ الذي يتخذه إزاء موقفه من حياته الأولى خصوصاً إذا كانت مزدحمه بالخطايا والعثرات . فهو وإن كان يعرف نفسه تماماً مَنْ هو وكيف كان يعيش حسب أهواء الجسد ، إلا أنه الآن أصبح في المسيح إنساناً آخر .

هنا نستعير من علم اللاهوت حقيقة إيمانية حية عاشها بولس الرسول حتى أعماق أعماقها ، وهي أننا الآن بسبب المسيح معتبرون لدى الله أننا لسنا نحن أنفسنا الذين كنا بالأمس : "الأشياء العتيقة قد مضت" (2كو 5 : 17) . فالمسيح بحبه الجبار الفعال وبجسده الإلهي المتغلغل في كياننا جمعنا وحصرنا في شخصه وفي حياته المقامة : "محبة المسيح تحصرنا" (2كو 5 : 14) . لقد متنا مع المسيح لما مات المسيح عنا ، وقمنا معه ، ونحن الآن قائمون فيه "إن كان واحد قد مات لأجل الجميع ، فالجميع إذن ماتوا" (2كو 5 : 14) . فنحن الآن لسنا نعيش بأنفسنا ولا لأنفسنا الأولى القديمة "كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام" (2كو 5 : 15) . أنفسنا الأولى ماتت ، والآن نحن بالمسيح أشخاص آخرون "هوذا الكل قد صار جديداً" (2كو 5 : 17) . صفاتنا الأولى غير محسوبة ، خطايانا الأولى غير محسوبة "غير حاسب لهم خطاياهم" (2كو 5 : 19) .

إذن فنحن الآن كخدام غير ممسوكين بصفاتنا الميتة ولا منظورين أمام الله بأشكالنا الأولى المنتنة ، لذلك أصبح لزاماً علينا أن نتعرف على شكلنا الجديد المخلوق بالروح حسب النعمة والحق الذي في  المسيح "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2كو 5 : 17) .

فالآن نحن محسوبون أمام الآب السمائي أبراراً بسبب المسيح : "نحن بر الله فيه (أي في المسيح)" (2كو 5 : 21) ، لأننا عَمَلُه ومفديوه وثمرة صليبه ، وقد لبسناه روحياً فاختفت من أمام الله معالم شخصياتنا الأولى ، وما نحياه الآن لا نحياه لأنفسنا نحن كأنه للجسد بل للمسيح هو الذي يحيا الآن فينا بالروح ، وغاية معيشتنا ليست الآن لأنفسنا بل للذي مات عنا وقام بهذه الروح وبهذا الإيمان المسيحي الحي .

وبهذه الحقيقة الإلهية المعاشة يستطيع الخادم أن يرفع عينه من النظر إلى نفسه الأولى ويُثِّبت قلبه وفكرة وعينه في وجه المسيح وصفاته بعزم وإصرار ، ولا يرتد ، حتى يتغير بالروح إلى الإنسان الآخر إلى الصورة الجديدة ، إلى شكل المسيح نفسه ، من مجد إلى مجد!!

إذن الخادم الذي يخدم المسيح لا يخدم بنفسه حاملاً وراءه ثقل جسده بماضيه المعثر أو حاضره العاجز ، بل هو ببِّر من المسيح يخدم ، وببِّر من المسيح يتكلم ، وببِّر من المسيح يعظ ويوبخ!! "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية ، خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه" (2كو 5 : 21) .

المرجع : كتاب الخدمة .

الكاتب : الأب متى المسكين .

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد