لماذا تضربنى ؟

"ولما قال هذا، لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفاً قائلاً: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة. أجابه يسوع: إن كنت قد تكلمت رديَّاً فأشهد على الرَّدي وإن حسناً فلماذا تضربني؟ " (يو 18)

لقد سبق النبي وأخبر عما حدث وقال بفمه عن المسيح: " أعطيت ظهري وخدي للضاربين" (إش 6:50). وهكذا بدأت الأحداث تأخذ طريقها وتشير نحو النهاية التي سبق فأخبر بها الأنبياء منذ زمن بعيد، وإلى الحكم الجائر على المسيح، الذي كان هو الوسيلة التي أبطل بها حكم الموت المهين الذي نستحقه، لأننا أخطأنا في آدم أولاً ثم دسنا بعد ذلك الوصية المقدسة. إذ أن المسيح أهين من أجلنا، لأنه حمل خطايانا في ذاته - كما يقول النبي - وتألم عوضاً عنا. وصار سبب خلاصنا من الموت بتقديم جسده للموت.

ولذلك كانت الضربة التي تقبلها المسيح هي إتمام العار الذي حمله، ولكنها كانت تحمل خلاصنا من عار تعدي آدم أبينا وخطيته. ورغم أنه واحد إلا أنه الفدية الكاملة عن كل البشر، وهو وحده الذي حمل عارنا. وأعتقد أن الخليقة كلها - إن وعَّت - لترتعد أمام ما أقدمت عليه، لأن رب المجد أهين بيد الضارب الشرير.

وأعتقد أيضاً أنه من المناسب لروح التقوى أن نبحث عن السبب الذي جعل ذلك الوقح المتجاسر يضرب يسوع

، الذي لم يجب على السؤال بإجابة غاضبة أو عنيدة، بل أجاب في وداعة على كل التهم الموجهة إليه. ولكن علينا أن نلاحظ أيضاً أن رئيس الكهنة لم يطلب من هذا الشخص أن يتهور ويضرب المسيح. وربما تصوَّر البعض أن عادة هؤلاء الحرس هي ضرب المتهمين لا سيما في حضور سادتهم لكي يرغموهم على أن يتكلموا بأدب، وأنهم كانوا يتعمدون دائماً المعاملة الخشنة، لا سيما إذا أجابوا على سؤال بألفاظ غير مهذبة. ولكنني أعتقد  أن ما حدث لم يكن ما يتصوره البعض لأن المسيح لم يتكلم بما يثير حنق هذا الضارب. وإذا ركزنا انتباهنا على ما قيل سابقاً سوف نجد سبباً لوقاحة هذا الإنسان.

لقد قلنا سابقاً أن بعض قادة حرس الهيكل الذين أرسلهم رؤساء الكهنة والفريسيون للقبض على المسيح (يو 7) اصطدموا برؤسائهم وعادوا وقد بدأوا يدخلون في أسرار المسيح بدليل أنهم دهشوا من تعليمه، وقالوا: "لم يتكلم قط مثل هذا" (يو 7)، ولذلك حنق الفريسيون بشدة وقالوا لهم : "ألعلكم أنتم أيضاً قد ضللتم؟ ألعل أحداً من الرؤساء أو من الفريسيين آمن به؟ ولكن هذه الشعب الذي لا يفهم الناموس هو ملعون" (يو 7). وهكذا أعادت كلمات المخلص إلى ذاكرة الرؤساء غضبهم السابق على جندهم، خصوصاً عندما أشار إليهم كشهود على تعاليمه قائلاً: "هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا" (يو 18). وهكذا صار هذا الخادم بالذات  أحد المتهمين أمام رؤسائه بأنه معجب بالمسيح، وبالطبع كان عليه أن يبعد هذه الشبهة عن نفسه. ولكي يوجه أنظار رؤسائه إلى عدم اعجابه بالمسيح، ضربه على فمه، لكي لا يقول شيئاً يحرج أيا من قادة حرس الهيكل.

"أجابه يسوع: إن كنت قد تكلمت رديَّاً فأشهد على الرَّدي وإن حسناً فلماذا تضربني؟" (يو 18).

برهن يسوع على أن خطأ هذا الخادم عظيم، لأنه إذا كانت لا تزال تهمة المتهم مجهولة فهو إذن قد ضربه بدون سبب، وهذا يتعارض مع واجب هذا الخادم، ولكن ما حركه هو الغضب القاسي وليس السند القانوني الشرعي، فاستسلم للغضب الوحشي الغريزي. فقال له يسوع: اسأل إذا شئت، وفنّد كلماتي إذا كانت ليست على صواب، ولكن إن كنت تعجز عن فعل ذلك، لماذا تضربني وأنت لا تجد في حديثي أي خطأ؟!

هذا هو التفسير الشائع والذي يعتمد على المعنى الظاهر. ولكنني أعتقد أن هذه الفقرة تعني أيضاً شيئاً آخر. يبدو لي أنه أراد أن يؤنب هذا الخادم على خطية أكبر وهي ليست أنه ضربه، بل لأنه يعامله باحتقار بعد أن اندهش من تعليمه ووجده غير مذنب. وكأن المسيح يقول له: "أنك قد تأثرت بكلماتي .. فان لم تكن قد وجدتني أعلم تعليماً نافعاً، وإن لم تكن قد أقتنعت بأني أشرح الأسفار المقدسة بطريقة عجيبة، وإن لم تكن أنت نفسك قلت متعجباً: "لم يتكلم إنسان قط مثل هذا" (يو 7)، ربما كان لديك عذر فترحم نتيجة لقلة الخبرة ومن ثم تنجو من التهمة . لكن بما أنك قد عرفت تعاليمي وتعجبت أمامها، ولا تجد شيئاً في كلامي تشهد عليه، فبأي رداء تستر خطيتك إن تذكرت كلماتك التي قلتها عني؟

هكذا يمكننا أن نفهم هذه الفقرة. ولكن علينا أن نلاحظ كيف أن المخلص يضع لنا مثالاً لاحتماله العظيم الذي لا مثيل له. والذي يرسم أمامنا بشكل فائق - بأعماله وحياته - التعبير الواضح عن طبيعته فائقة الرحمة. لأنه بينما هو قادر أن يدمِّر اليهود بكلمة واحدة، احتمل أن يضرب كعبد. ولم يقاوم ولم يجازِ مضطهديه بجزاء فوري، لأنه ليس خاضعاً لضعفاتنا، ولا هو تحت سلطان الأهواء او الامتعاض، ولا هو اضطرب من تعدياتهم الخبيثة، بل بوداعة جعل خصمه يخجل، قائلاً له أنه لم يكن على صواب حينما ضرب من أجاب بكل أدب.

وهكذا في ساعة آلامه لم ينسى الفضيلة التي مارسها دائماً. وبالحجة المقنعة، حاول أن يقنع الخادم الذي يخدم خبث اليهود بأن يتخلى تماماً عن طبيعته العدوانية.

هو ذاته يُجازّى منهم عن الخير بالشر - كما يقول الكتاب (مز 35: 12) - لكنه مع ذلك يجازي أولئك الذين كانوا يحتقروه بالخير عوضاً عن الشر.

لكن ربنا يسوع المسيح احتمل في صبر أن يضرب، بالرغم من أنه إلهاً بالحقيقة، رب السموات والأرض، أما نحن الخطاة التعساء الفانين - التراب والرماد (تك 18)، بل ومثل عشب الحقل "الانسان مثل عشب أيامه. كزهر الحقل كذلك يزهر"(مز 103) - ومع ذلك عندما يتحدث إلينا أحد الأخوة ببعض كلمات لا نقبلها فاننا نظن أنه من الصواب أن نشتعل بالغضب ونثور مثل التنانين، فلا نتوقف عن ذلك بل نمطره ببوابل من الكلمات في مقابل كلمة واحدة، ولا نغفر للضعف البشري، ولا نتذكر أننا جميعاً ضعفاء كبشر، ولا ندفن الأهواء الثائرة بالمحبة الأخوية، ولا نفكر أن ننظر إلى يسوع المسيح نفسه رئيس الإيمان ومكمله (عب 12)، بل نتحمس إلى اقصى حد نحو الانتقام لأنفسنا، رغم ان الكتب المقدسة تقول: "من يتبع الانتقام فإلى موته" (ام 11: 19)، وفي موضع آخر: "لا يفكر أحد منكم شراً على أخيه في قلبكم" (زك 7).

يا ليت المسيح رب الكل يكون المثال لوداعتنا ونموذج احتمال كل منا لأخيه. لأنه لهذا قال:"ليس التلميذ أفضل من معلمه ولا العبد أفضل من سيده"

للقديس كيرلس السكندري / مدونه ابائية

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد