الزواج في المسيحية - لنيافة الأنبا روفائيل

الزواج كنظام اجتماعي له أنماطه ومفاهيمه المتعددة في كل حضارة، وفي كل مجتمع، وفي كل دين، وعلى مدى العصور... كل شعب يفهم الزواج بصورة خاصة به، تعكس مدى تحضره، وكذلك مدى احترامه للمرأة وتقديره لدورها... أما في المسيحية، فالزواج سر مقدس إلهي، له البعد اللاهوتي والالتزام الأبدي، مثلما له البعد الاجتماعي والإنساني أيضاً.وهذا ما يميز النمط المسيحي للزواج عن كل الأنماط.

1- الله هو مؤسس السر:

فبعدما خلق الله الكون وكل ما فيه من خير وجمال، خلق الإنسان بصورة متميزة "فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم" (تك27:1)

لقد قصد الله أن يخلق الإنسان في صورة ذكر وأنثى ليتكاملا... منذ البداية.

يصف الكتاب المقدس تفاصيل قصة الزواج الأول في الفردوس قائلاً: "وقال الرب الإله: ليس جيداً أن يكون آدم وحده. فأصنع له معيناً نظيره... فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم إمرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة، لأنها من إمرء أُخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً" (تك2: 18-24).

فالطبيعة الإنسانية بحسب قصد الله هي (رجل وامرأة) "الرجل" هو الإنسان دون أحد أضلاعه، و"المرأة" هي هذا الضلع. والزواج يحقق عودة الضلع إلى مكانه في الإنسان.

فالرجل والمرأة هما عنصران متكاملان، يكوّنان معاً "الإنسان" المخلوق على صورة الله ومثاله.

هنا نفهم أن الزواج هو تحقيق الاكتمال الإنساني، ولكن بالحب فالكائنات الحية الأخرى يتحد فيها الذكر والأنثى، عن طريق الغريزة بدون حب، وبدون تفكير... ولكن الإنسان ليس كذلك لأنه كائن حر عاقل مريد، وعلى صورة الله.

فالإتحاد بين الزوجين يقوم على الحب، وليس على الغريزة والشهوة، ويقوم على الإرادة العاقلة الحرة، وليس على القهر والغصب والتهور.

2- السيد المسيح يصادق على قصة الفردوس:

في حديثه عن الزواج أراد السيد المسيح أن يعود بنا إلى الوضع الفردوسي الأول، عندما نبه ذهن سائليه "أما قرأتم إن الذي خلق من البدء، خلقهما ذكراً وأنثى. وقال: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد أثنين بل جسد واحد. والذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مت19: 6-4)

"إن الابن قد ثبّت ما أسسه الأب" (كليمنضس السكندري(

"إن المسيح قد ثبّت في قانا ما سبق أن أسسه في الفردوس" (أغسطينوس(.

3- الزواج انعكاس لعلاقة الله بالبشرية:

كثيراً ما شبَه الكتاب المقدس علاقة الله بنا كعلاقة زيجة مقدسة. فالله دائماً هو العريس، والكنيسة أو البشرية أو النفس هي العروس.. والملكوت هو عرس الحمل، والخطية هي زنى روحي، إذ أنها هجر للمسيح واقتران بالشيطان، وعندما يرفض الله شعبه يطلّقهم بسبب الزنى الروحي. "هكذا قال الرب: أين كتاب طلاق أمكم التي طلقتها" (إش1:50(.

وسفر النشيد هو أجمل تعبير عن هذه العلاقة السامية بين الله والنفس البشرية...

وقد استخدم السيد المسيح نفس التشبيه في مثل العذارى والعريس، وكثير من أحاديثه الطاهرة.

4- الزواج يشرح سر الوحدة في الثالوث:

الله محبة، لذلك فهو ثالوث، فالحب يُعبَّر عنه بحركة نحو الآخر... والله ليس له آخر، فهذه الحركة المحيية هي داخل الله بين الأقانيم الثلاثة... ليس إلهنا صنماً ولكن إله حي، لذلك فهو الحب، وهو الثالوث، وهو الإله الواحد.

وسر الحب الزيجي هو أعظم انعكاس لهذا الحب الإلهي... فكما أن الحب لا يلاش الأقانيم... كذلك الحب لا يلغي تمايز الزوجين، فسيظل الرجل رجلاً والمرأة امرأة.

وكما أن الأقنومية لا تلغي وحدانية الله، كذلك تمايز الرجل والمرأة لا يمنع وحدة كيانهما (ليسا بعد اثنين بل جسد واحد(.

"عندما يتحد الرجل والمرأة في الزواج، لا يبدوان بعد كشيء أرضي، بل هما صورة الله نفسه... إنهما ليسا فقط متحدين بل هما واحد... الحب يغيّر جوهر الأشياء" (ذهبي الفم)

إن هذا الحب بهذا المستوى، ليس في مقدور الطاقةالبشرية، إنما يمنحه الله كنعمة مقدسة في سر الزيجة المسيحي.

"وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد" (يو22:17(

فمن يستطيع بقدراته الخاصة أن يتنازل عن أنانيته وانعزاليته وخصوصيته... ويتشارك مع آخر في كل شيء، حتى الجسد "ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضاً ليس له تسلط على جسده بل للمرأة" (1كو4:7)

إنها نعمة فائقة تتجاوز الضعف البشري، وتتسامى بالإنسانية فتحفظ سر الوحدة إلى المنتهى بدون انفصام... لأنها محبة تنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

5- إذاً ليس الزواج عقداً بشرياً بل عمل إلهي:

"ما جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مت6:19)

فالزواج المسيحي ليس مجرد عقد بين طرفين بحسب مشيئتهما الخاصة... ويمكنهما أن يملآه متى أرادا...

بل هو رباط إلهي واتحاد مقدس يعقده الروح القدس أثناء الإكليل، وقد قال في ذلك الآباء: "يقيناً أن الله هو الذي يجعل الإثنين واحداً. فإذا زوج الله المرأة بالرجل، فلا يكونان بعد إثنين، وحيث إن الله هو الذي جمع بينهما، فإن في هذا الجمع نعمة من الله توحدهما".

والكنيسة تعبر عن إيمانها هذا من خلال طقس الإكليل المقدس

أ- يتم هذا السر في الكنيسة المقدسة، وأمام هيكل رب الصباؤوت ومذبحه المقدس.

‌ب- يتم بحضور الكاهن ومباركته.

جـ- يضع الكاهن بنفسه الدبلة في يدي كل من العريس والعروس، علامة على أن الله هو الذي يكللهما ويوحد بينهما.

‌د- يكون العقد معمولاً "بإسم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح"، وبالرشومات الثلاثة "كللهما بالمجد والكرامة أيها الآب، باركهما أيها الإبن الوحيد، قدسهما أيها الروح القدس".

هـ- المسيح يحضر بنفسه ليبارك، كما حضر في عرس قانا الجليل "يا من حضر في عرس قانا الجليل، بارك هذا الزواج مثلما باركت ذاك الزواج".

"بركة الرب الحالة في عرس قانا الجليل، تحل عليكما وفي منزلكما" وفي هذا قال القديس أغسطينوس: "عندما دعي الرب يسوع حضر إلى العرس حتى يؤكد طهارة الزواج وليبين أنه سر مقدس".

‌و- تقدم الكنيسة نموذج حب المسيح لها، كنموذج للزوج مع زوجته "ايها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها" (أفسس25:5).

هذا هو الحب الروحاني الباذل الدائم.. وهو غير المحبة الجسدية الطبيعية العاطفية، التي سرعان ما ينطفئ بريقها، وتظهر على السطح خصومات وخلافات، قد تقود إلى الطلاق... إن الحب في الزواج المسيحي هو حب إلهي بالروح القدس، لذلك لا نتوقع الطلاق إلا إذا هرب الروح القدس من البيت، وترك الزوجين لضعفهما وعدم قدرتهما الطبيعية على الحب والاحتمال والبذل.

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد