غنى وكنز الروح القدس

كنز الروح:

1 - إذا كان انسان غني في هذا العالم وعنده كنز مخفي فانه من ذلك الكنز

والغنى الذي له يمكنه أن يشتري أي شيء يشتهيه. وكل الاشياء النادرة التي يشتهيها

في هذا العالم، فانه بسهولة يجمعها ويكدسها، معتمدا على كنزه لأنه بواسطة هذا الكنز،يسهل عليه اقتناء كل الممتلكات التي يشتهي امتلاكها. وبنفس الطريقة فان اولئك الذين يطلبون ويسعون إلى لله، وقد وجدوا الكنز السماوي أي حصلوا على كنز الروح، الذيهو الرب نفسه، مضيئا في قلوبهم، فانهم يتممون كل بر الفضائل وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم، وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البر معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المتجمع في داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم. يقول الرسول "لنا هذا الكنز في أوان خزفية" 2 كو 4 :  7 أي الكنز الذي أعطى لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، الذي صار لنا حكمة من لله وبرا وقداسة وفداء" 1 كو 1 : 30

2 -  فالذي وجد وامتلك في داخله كنز الروح السماوي هذا فانه يتمم به كل بر الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدون تغصب. لذلك فلنتضرع إلى لله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكيما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل بر الروح بنقاوة وكمال بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح. فالذي يكون فقيرا وعريانا ومحتاجا ومعدما في هذا العالم، لا يستطيع أن يقتني شيئا،ً لأن فقره يمنعه من ذلك، ولكن الذي يملك الكنز - كما سبق أن قلت - فانه بسهولة يقتني كل ما تصبو نفسه اليه، بدون جهد أو ألم. هكذا النفس العريانة والمقفرة من شركة الروح، الواقعة تحت فقر الخطية المرعب لا تستطيع - حتى إذا رغبت – أن تثمر أي ثمر من ثمار روح البر بالح ، قبل أن تدخل في شركة الروح.

3 -  فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أهلا أن ينال وان يجد كنز الروح السماوي. لكيما يستطيع بتهيؤ وبدون صعوبة، أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم - تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك في أن يعملها مهما غصب نفسه. لأنه اذ يكون فقيرا وعريانا من شركة الروح، فكيف يمكنه أن يقتني الكنوز السماوية بدون أن يحصل على كنز وغنى الروح؟ أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فانها بواسطة طلب الروح، وبالايمان والثقة، وبصبر كثير، تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة، كما قلت سابقا،ً وتعمل كل وصايا الرب، التي أوصى بها الروح، هذه كلها تعملها في نفسها، وبنفسها ، بنقاوة وكمال وبلا لوم.

غنى الروح ومنفعة الآخرين:

4 -  ولنستخدم توضيحا آخر: انسان غني يريد أن يصنع وليمة فاخرة فانه يصرف من ثروته والكنز الذي يملكه، ولأنه غني جدا فانه لا يخاف من عدم كفاية أمواله لتجهيز كل لوازم الوليمة. وهكذا فانه يكرم الضيوف الذين دعاهم. ببذخ وأبهة، واضعا أمامهم أنواع كثيرة من المأكولات وبأحدث أنواع التجهيز. وأما الفقير الذي ليس عنده مثل هذا الغنى فانه إذا رغب في عمل وليمة لأصدقاء قليلين فانه يضطر أن يستعير كل شيء، من الأواني والأطباق والمفارش وكل شيء آخر، وبعد ذلك حينما تنتهي الوليمة ويخرج المدعوين فانه يعيد كل الاشياء التي استعارها إلى اصحابها سواء أطباق فضة أو مفارش أو أي اشياء اخرى، وهكذا حينما يرجع كل شيء يظل هو نفسه فقيرا وعريانا اذ ليس له غنى خاص يعزي به نفسه.

5 - وبنفس الطريقة فان اولئك الذين يكونون اغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوي حقا وشركة الروح في داخل نفوسهم، فانهم حينما يكلمون أحدا بكلمة الح أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحانية ويريدون أن يعزوا النفوس . فانهم يتكلمون ويخرجون من غناهم ومن كنزهم الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم، ومن هذا الكنز يعزون ويفرحون نفوس الذين يسمعون احاديثهم، ولا يخافون أن ينضب معينهم، لأنهم يملكون في داخلهم كنز الصلاح السماوي الذي يأخذون منه ليعزوا ويفرحوا ضيوفهم الروحيين.

أما الفقير الذي لا يملك غنى المسيح وليس عنده الغنى الروحي في داخل نفسه الذي هو ينبوع كل صلاح سواء في الأقوال أو الأعمال أو الأفكار الالهية والأسرار التي لا ينطق بها. فحتى إذا اراد هذا الفقير أن يتكلم بكلمة الحق ويعزي بعض سامعيه بدون أن ينال في نفسه كلمة لله بالقوة وبالحق. فانه يكرر من الذاكرة ويقتبس فقط كلمات من أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس أو مما سمعه من الرجال الروحيين فيخبر ويعلم بها الآخرين - وهكذا يظهر كأنه يعزي ويفرح الآخرين، والآخرون يبتهجون بما يخبرهم ولكن بعد أن ينتهي من الكلام تعود كل كلمة إلى مصدرها الأصلي الذي أخذت منه ويبقى هذا الإنسان ويعود كما كان عريانا وفقيرا لأن ليس له كنز الروح الخاص به ليأخذ منه ويعزي ويفرح الآخرين اذ انه هو نفسه لم يتعز أولا ولا ابتهج بالروح.

6 - لهذا السبب ينبغي لنا أولا أن نطلب من لله باجتهاد قلب وبايمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أي كنز المسيحي الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته. ولهذا فعندما نجد الرب أولا في نفوسنا لمنفعتنا أي للخلاص والحياة الأبدية، فحينئذ يمكننا أن ننفع الآخرين ايضا اذ يصير هذا ممكنا،ً لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحانية ونكشف أمامهم أسرار السماء. لأن هذه هي مسرة صلاح الآب أن يسكن في كل من يؤمن به ويحبه "من يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي" ويقول أيضا "اليه نأتي، أنا والآب، ونصنع عنده منزلا"ً (يو 14 : 21 ، 23 ).

هذا ما شاءه احسان الآب غير المتناهي، وهذا ما سرت به محبة المسيح الفائقة المعرفة، وهذا ما وعد به صلاح الروح الذي لا ينطق به فالمجد للحنان غير المنطوق به الذي للثالوث الأقدس

أنواع فاعلية النعمة في القلب:

7 -  لأن أولئك الذين أعطي لهم أن يصيروا أبناء لله، وان يولدوا من فوق من الروح، والذين لهم المسيح منيرا في داخلهم، ومنعشا لهم، هؤلاء يقودهم بطرق متنوعة كثيرة. وتعمل النعمة سرا في قلوبهم وتعطيهم راحة روحية. فلنستعمل صور التنعمات والمسرات الملموسة التي في هذا العالم لنوضح بها - إلى حد ما - أعمال النعمة في القلب. ففي بعض الأوقات تعزيهم النعمة وتفرحهم كما في وليمة ملوكية فيفرحون بفرح وسرور لا ينطق به وفي وقت آخر يكونون مثل عروس تتنعم بالشركة مع عريسها في راحة الهية. وفي وقت آخر يصيرون كملائكة بدون أجساد، لكثرة سموهم وخفتهم وعدم تثقلهم حتى بالجسد. وفي وقت آخر يكونون سكارى اذ يكونون منتعشين وثملين بالروح وبالأسرار الالهية الروحانية.

8 -  وفي وقت آخر يكونون كأنهم في بكاء ونحيب لأجل جنس البشر واذ يتوسلون لأجل ذرية آدم كلها فانهم يولولون ويبكون، اذ تشتعل فيهم محبة الروح نحو جنس البشر. وفي وقت آخر يشعلهم الروح بفرح ومحبة كثيرة حتى انه لو امكنهم لأدخلوا كل انسان إلى احشائهم، بدون تفريق بين الردئ والجيد. وأحيانا يصيرون تحت كل الناس في تواضع الروح حتى انهم يحسبون انفسهم آخر الكل وأقل الكل. وأحيانا يجعلهم الروح في فرح لا ينط به. لدرجة انهم يرهقون من الفرح. ﻖ وفي وقت آخر يكونون مثل انسان جبار قد لبس الدرع الملكي الكامل ونزل إلى المعركة ضد أعدائه، فيحاربهم بقوة ويهزمهم، فانه مثل هذا الجبار كذلك يأخذ الإنسان الروحاني أسلحة الروح السماوية وينزل لمقاتلة الأعداء فيحاربهم، ويدوسهم تحت قدميه.

<pdir="rtl" style="text-align: right; font-size: 12pt;">9 - وفي وقت آخر تستريح النفس في هدوء عظيم وسكون وسلام، دون أن تشعر بأي شيء آخر سوى اللذة الروحانية والراحة والسعادة التي لا توصف. وفي وقت آخر، تعلمها النعمة بنوع لا ينط به من الفهم والحكمة، ومعرفة الروح الذي يفوق الفحص وتعلمها اشياء لا يمكن النطق بها باللسان والكلام، هكذا فان معاملات النعمة متنوعة جدا في النفوس، وهي تقود النفس التي تنعشها وتحييها، بطرق كثيرة بحسب ارادة لله وتدربها بطرائق مختلفة لكي تعيدها إلى الآب السماوي كاملة نقية وبلا عيب.

10 - ولكن أفعال الروح هذه التي تحدثت عنها تختص بالدرجات العظيمة القريبة من الكمال، لأن تنعمات النعمة المختلفة هذه، رغم انه يعبر عنها بطرق مختلفة ولكنها تفعل بلا انقطاع في أولئك الاشخاص، فاعلية تليها فاعلية أخرى. لأنه حينما تصل النفس إلى كمال الروح، وتتطهر بالتمام من الشهوة، وتتحد مع الروح المعزي وتختلط به بشركة لا توصف، فانها تحسب أهلا أن تصير هي نفسها روحا،ً في اختلاطها مع الروح، حينئذ تصير كلها نورا،ً وكلها عينا،ً وكلها روحا،ً وكلها فرحا،ً وكلها راحة، وكلها بهجة وكلها محبة، وكلها حنان، وكلها صلاح، وكلها رأفات محبة.

وكما أن الحجر الذي في قاع البحر تحيط به المياه من كل ناحية، كذلك هؤلاء أيضا اذ يكونون مغمورين بالروح من كل ناحية فانهم يصيرون مشابهين للمسيح، حاصلين في انفسهم على فضائل قوة الروح بلا تغيير لكونهم بلا عيب وأنقياء وبلا لوم من الداخل والخارج.

11 -  واذ قد ردهم الروح وأعادهم إلى لله هكذا فكيف يمكنهم أن يخرجوا ثمر الخطية؟ بل في كل الأوقات وفي كل الظروف تشع منهم ثمار الروح ظاهرة فيهم.

لنطلب نعمة الروح بالايمان والمحبة والرجاء:

فلنتوسل اذا إلى لله بايمان وبالمحبة والرجاء الكثير، لكي يمنحنا النعمة السماوية، نعمة الروح لكي ما يحكمنا ويضبطنا ذلك الروح نفسه ايضا،ً ويقودنا إلى كل ارادة لله وينعشنا ويحيينا بكل أنواع انعاشه واحيائه لكي بواسطة هذا الحكم وفاعلية النعمة، والنمو الروحاني نتقدم، لنحسب اهلا لادراك كمال ملء المسيح كما يقول "لتمتلئوا بكل ملء المسيح" اف 3 : 19 وايضاً نقول  " الى ان ننتهى جميعنا إلى انسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح" اف 4 : 13

ولقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألونه بالحق أن يعطيهم أسرار شركة الروح الذي لا ينطق به. لذلك فلنكرس نفوسنا بكليتها للرب ونسرع للحصول على الخيرات التي تكلمنا عنها. واذ نكرس نفوسنا وأجسادنا ونتسمر على صليب المسيح فلنكن لائقين ومستعدين للملكوت السماوي، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

من عظات القديس مقاريوس الكبير

 

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد