الروح القدس والتدرُّج من حياة الخطية إلى حياة القداسة

الروح القدس لا يعمل فى السطح ولا من الظاهر ، إنه يعمل فى الداخل وفى الخفاء جداً

لذلك إذا اردنا ان نتتبع عمل الروح القدس فى حياتنا ، يلزمنا ان نتعمق كل شئ ، نتعمق فكرنا ، نتعمق ضميرنا ، نتعمق دوافع سلوكنا ، نتعمق رغباتنا وشهواتنا الطيب منها والردئ ، نتعمق صلواتنا وصومنا ودموعنا ، نتعمق خدمتنا ، وأخيراً نتعمق حبنا لله والناس .. لأنه من هذا العمق نتواجه مع فكر الروح القدس ومطالبه وأهدافه فينا

والتعمق دائماً يتطلب جهداً ، فإذا أهملنا التعمق بسبب صعوبة الجهد المبذول ، فإننا ننطرح على السطح ونعيش فى مظاهر الأقوال والأعمال فلا نتواجه مع الروح القدس

أما لماذا لا يعمل الروح القدس إلا فى الأعماق

فذلك راجع الى طبيعة الإنسان لأن الدوافع والأسباب والغايات الحقيقية التي تُحرِّك الإنسان والتي يتحرَّك الإنسان بمقتضاها لا تعمل ولا توجد إلاَّ في أعماقه؛ أما على السطح فلا توجد ولا تعمل إلاَّ الدوافع المزيفة التي تُحرِّكها وتتحكَّم فيها التقاليد الاجتماعية والتأثيرات البيئية والتربوية وإيحاءات الغير.

حينما يبدأ الروح القدس عمله في أعماق الإنسان، يبدأ الإنسان يكتشف مفاعيل الروح القدس الأولية على هيئة صراع داخل الفكر والضمير والأعضاء, صراع بين «روح الحياة في المسيح يسوع» (رو 8: 2) - أي روح الحق والقداسة والبر والتعفُّف - ضد روح الباطل والنجاسة والخداع والشهوة.

هنا الصراع يبدو مُرّاً وغير محتمَل على ضمير الإنسان وفكره, بسبب إمكانية السقوط في الشر مع وجود روح القداسة في ذات الوقت, حيث يبلغ التأنيب أَوَجَه: «لأني لستُ أعرف ما أنا أفعله, إذ لستُ أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل ... فالآن لستُ بعد أفعل أنا بل الخطية الساكنة فيَّ, فإني أعلم أنه ليس ساكنٌ فيَّ - أي في جسدي - شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي, وأما أن أفعل الحُسْنَي فلستُ أجد. لأني لستُ أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لستُ أريده فإياه أفعل» (رو 7: 11-20)

أما النتيجة الحتمية التي يبتغيها الروح القدس في هذه المرحلة، فهي بُغضة الخطيئة جداً. وبقدر ما يـزداد وجود الروح القدس يـزداد تبكيته لسلوك الإنسان, فيزداد الإنسان بُغضة لحياة الشر والخطيئة جداً.

هنا يكون الإنسان منحازاً إلى الروح القدس بضميره أو قلبه, الذي أسماه بولس الرسول «فكر» أو «عقل» أو «ذهن».  حيث التوبة في عُرف لغة الإنجيل هي تغيير يتم في العقلكذلك أيضاً فـإنَّ عمل الروح القدس لتجديـد الإنسان يتم في الذهـن أيضاً: «تغيَّروا عـن شكلكم بتجديـد أذهانكم».  تغيروا عن شكلكم = أي تغيُّر من طور إلى طور, أي تغيُّر ذهن .

ولكن لشدة الأسف بينما يكون الإنسان منحازاً للروح القدس بقلبه يكون جسده منحازاً للخطيئة: «لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد, وهذان يُقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون» (غل 5: 17), وذلك بسبب امتداد غير سويٍّ لسلطان الغريزة والعادة الذي يحتاج إلى بعض الوقت ليخضع وينضبط لسلطان الضمير والقلب بالروح القدس. علماً بأن الخطيئة تستغل دائماً الغريزة الطبيعية في الإنسان لتنحرف بها دون المطالب الطبيعية.

فإن كانت الخطيئة تجد لها في غرائز وشهوات جسد الإنسان قاعدة تختبئ فيها وتعمل من خلالها, فـإن الروح القدس يجـد له في قلب الإنسان (أو عقله وضميره) قاعـدة يسكن فيها ليبدأ عمله ضد عنصر الشر المتسلِّط على جسد الإنسان: «اسلكوا بـالروح فلا تُكمِّلوا شهوة الجسد» (غل 5: 16), حيث يبدأ التغيير والتجديد في الذهن, وهذا أسهل نوعاً ما.

ولكن إذا انحاز العقل والضمير للشر نهائياً ورفض بإصرار قبول الروح القدس أو الوقوف بجانب مشورته؛ يتوقف إيحاء الخير, وينعدم بذلك الصراع بين الخير والشر, ويقف بالتالي التبكيت، ويتخلَّى الله عن الإنسان ويُسلِّمه للعدو: «وكما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق» (رو 1: 28).

وهنا يصبح الذهن ذهناً مرفوضاً يفعل كل ما لا يليق بلا مانع وبلا أقل تأنيب!!

بل ويُسرُّ الذهن المرفوض بالذين يفعلون الشر (رو 1: 32), حيث يصبح الذهن هنا فاقداً للنور الإلهي, تابعاً للجسد متوافقاً معه, ويُسمِّيه بولس الرسول ”ذهناً جسدياً“: «متداخلاً في ما لم ينظره منتفخاً باطلاً من قبل ذهنه الجسدي» (كو 2: 18).

وهذا الانغلاب الخطير الشامل إنما يبدأ بهجمات الشيطان المتعددة لتشكيك الذهن في ما هو خيِّ‍ر وصالح, ويضغط على الإرادة حتى يكسر حاجز المقاومة حيث يبتدئ الإنسان يستسلم إلى ما لا نهاية.

أما إذا ساد الروح القدس على الذهن وقَبِلَ الإنسان تبكيت الروح القدس واستجاب له بالفعل, فإن ذهنه يصبح شيئاً فشيئاً ”ذهناً روحياً“. ويمتدُّ أَثَر الروح القدس من العقل النشيط المتجمِّد ليشمل كل مَلَكَات الإنسان العُليا، فيُسمَّى ”إنساناً روحياً“, حيث يصبح ناموس الذهن - أي القانون الذي يسلك بمقتضاه - هو نفسه ناموس الروح القدس!! ويُعبِّ‍ر عن ذلك بولس الرسول هكذا: «أُسرُّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ... وبذهني أخدم ناموس الله» (رو 7: 25،22).

  مع الروح القدس فى جهادنا اليومى / الاب متى المسكين

الرباط المقدس

روحيات

الخدمة

هل تعلم ؟

بحث في الموقع

تواصل معنا

نبذه عن الكنيسة

كنيسة الشهيد مارجرجس لؤلؤه جميله ودره ثمينة وبناء شامخ في وسط مدينة أسيوط، تجمع بين العراقة والبساطة وقوة الإيمان ، إنها رحلة عظيمة و مجيدة يرجع تاريخها عندما سيم سيدنا الأنبا ميخائيل مطرانا لأسيوط سنة 1946 م ، وبدأ التفكير في بناء كنيسة تحمل اسم الشهيد مارجرجس و تم عمل الله و بدأ البناء فيها مع مجئ سيدنا مباشرة عام 1946 م و بدأ الصلاة فيها يوم الأحد المبارك 18 أبيب 1664 للشهداء 25 يوليو 1948 م وتناوب علي الصلاة فيها مجموعة من الآباء الكهنة .. للمزيد